السيد كمال الحيدري

60

الولايه التكوينية (حقيقتها ومظاهرها)

ومما يشهد لذلك قوله تعالى يحكى قول أهل النار : ) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِى أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً « 1 » . فلو كان المراد بالعمى هو عمى العين الظاهرية لكان من المناسب أن يكون التعبير في الجواب : « أتتك آياتنا ولم ترها » وليس التعبير ب ) أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ؛ لأنّ النسيان ليس من وظيفة العين الظاهرية . لذا في الرواية عن الإمام الرضا عليه السلام حين سأله المأمون عن قول الله تعالى : ) الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِى غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِى وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً « 2 » أنّه قال عليه السلام : « إنّ غطاء العين لا يمنع من الذكر ، والذكر لا يرى بالعيون ، ولكنّ الله عزّ وجلّ شبّه الكافرين بولاية علىّ بن أبي طالب عليه السلام بالعميان لأنّهم كانوا يستثقلون قول النبىّ صلّى الله عليه وآله فيه ولا يستطيعون سمعاً . فقال المأمون : فرّجت عنى فرّج الله عنك » « 3 » . إذاً فالآية تدلّ بوضوح على وجود حواسّ باطنية لرؤية ملكوت الأشياء . إذاً هناك رؤية أخرى غير الرؤية المادّية التي يشترك فيها جميع البشر بما فيهم الكافر والفاسق ، وتلك الرؤية هي الميزان الحقيقي لتميّز الناس ، ولذا نجد أنّ الله تعالى يمدح إبراهيم وذرّيته الذين اصطفاهم ؛ لحيازتهم هذه الرؤية الباطنية ، كما في قوله تعالى : ) وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِى الْأَيْدِى وَالْأَبْصَارِ ( « 4 » .

--> ( 1 ) طه : 125 . ( 2 ) مريم : 101 . ( 3 ) التوحيد ، الصدوق ، تحقيق السيد هاشم الحسيني الطهراني ، جامعة المدرسين قم : ص 535 . ( 4 ) ص : 45 .